ابن كثير
108
البداية والنهاية
ما ورد في مدينة بغداد من الآثار وما فيها من الاخبار فيها أربع لغات بغداد وبغداذ ( 1 ) بإهمال الدال الثانية وإعجامها ، وبغدان بالنون آخره وبالميم مع ذلك أولا مغدان ، وهي كلمة أعجمية قيل إنها مركبة من بغ وداد فقيل بغ بستان وداد اسم رجل ، وقيل بغ اسم صنم وقيل شيطان وداد عطية أي عطية الصنم ، ولهذا كره عبد الله بن المبارك والأصمعي وغيرهما تسميتها بغداد وإنما يقال لها مدينة السلام ، وكذا أسماها بانيها أبو جعفر المنصور ، لان دجلة كان يقال لها وادي السلام ، ومنهم من يسميها الزوراء . فروى الخطيب البغدادي من طريق عمار بن سيف - وهو متهم - قال : سمعت عاصم الأحول يحدث عن سفيان الثوري ، عن أبي عثمان ، عن جرير بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة تجبى إليها خزائن الأرض ، وملوكها جبابرة ، فلهي أسرع ذهابا في الأرض من الوتد الحديد في الأرض الرخوة " . قال الخطيب : وقد رواه عن عاصم الأحول سيف ابن أخت سفيان الثوري ، وهو أخو عمار بن سيف . قلت : وكلاهما ضعيف متهم يرمى بالكذب ، ومحمد بن جابر اليماني ضعيف ، وأبو شهاب الحناطي ضعيف . وروى عن سفيان الثوري عن عاصم من طرق ثم أسند ذلك كله . وأورد من طريق يحيى بن معين عن يحيى بن أبي كثير عن عمار بن سيف عن الثوري عن عاصم عن أبي عثمان عن جرير عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقال أحمد ويحيى : ليس لهذا الحديث أصل . وقال أحمد : ما حدث به إنسان ثقة ، وقد علله الخطيب من جميع طرقه وساقه أيضا من طريق عمار بن سيف عن الثوري عن أبي عبيدة حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، ولا يصح أيضا . ومن طريق عمر بن يحيى عن سفيان عن قيس بن مسلم عن ربعي عن حذيفة مرفوعا بنحوه ، ولا يصح . ومن غير وجه عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وثوبان وابن عباس ، وفي بعضها ذكر السفياني " وأنه يخربها " ولا يصح إسناد شئ من هذه الأحاديث . وقد أوردها الخطيب بأسانيدها وألفاظها ، وفي كل منها نكارة ، وأقرب ما فيها عن كعب الأحبار وقد جاء في آثار عن كتب متقدمة أن بانيها يقال له مقلاص ( 2 ) وذو الدوانيق لبخله .
--> ( 1 ) البصريون لا يجيزون بغداذ وقالوا : ليس في كلام العرب كلمة فيها دال بعدها ذال ، وقيل في بغداد سبع لغات : بغداد وبغدان مغداد ومغدان وبغداذ ومغداذ وبغدين . ( 2 ) مقلاص اسم لص كانت تضرب به الأمثال ، وكان أبو جعفر المنصور صبيا سرق غزلا لعجوز ، كانت تخدمه . وباعه لينفق على أتراب له . فلما علمت بفعلته سمته مقلاصا وغلب عليه هذا اللقب في صغره ثم ذهب عنه . ( الفخري ص 162 . . معجم البلدان 1 / 459 ) .